شهدت تشاد خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في هجمات جماعة بوكو حرام، التي كثفت عملياتها ضد المواقع العسكرية والمدنيين، خاصة في منطقة بحيرة تشاد، ما أسفر، وفق الأرقام الرسمية المعلنة من السلطات التشادية، عن مقتل أكثر من 255 شخصًا بين جنود ومدنيين منذ عام 2015.
وتعود بداية الهجمات المباشرة داخل الأراضي التشادية إلى 13 فبراير 2015، عندما استهدفت الجماعة منطقة “نغوبوا”، في أول عملية تعلن انتقال نشاطها من شمال شرق نيجيريا نحو العمق التشادي. وفي نفس العام شهدت العاصمة أنجمينا سلسلة تفجيرات انتحارية تبنتها الجماعة، حيث أدى هجوم 15 يونيو 2015 إلى مقتل 33 شخصًا، فيما أسفر تفجير 11 يوليو من العام ذاته عن مقتل 15 شخصًا، قبل أن يتسبب هجوم 5 ديسمبر 2015 في مقتل 19 آخرين، وفق الحصيلة الرسمية.
ومع اتساع نشاط الجماعة في منطقة بحيرة تشاد، تحولت المنطقة إلى إحدى أبرز بؤر المواجهة الأمنية في البلاد، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة للحوض، الذي يضم جزرًا وممرات مائية وحدودًا متداخلة مع الكاميرون والنيجر ونيجيريا، ما وفر بيئة مناسبة لتحركات الجماعات المسلحة وصعّب من مهام الرصد والملاحقة.
وفي واحدة من أعنف الهجمات التي استهدفت الجيش التشادي، تعرضت قاعدة “بوهاما” العسكرية في 23 مارس 2020 لهجوم دامٍ أسفر، بحسب السلطات، عن مقتل 98 جنديًا، في حادثة وُصفت حينها بأنها الأكبر من حيث الخسائر العسكرية في تاريخ تشاد الحديث. وأعقب هذه الهجمات إطلاق عملية “غضب بوما”، التي تبعتها لاحقًا مصادقة الجمعية الوطنية على ترقية الرئيس الراحل إدريس ديبي إتنو إلى رتبة مارشال.
وفي السنوات اللاحقة استمرت الهجمات المسلحة، حيث قُتل 10 جنود في هجوم قرب “نغوبوا” عام 2022، قبل أن يشهد عام 2024 تصعيدًا جديدًا أسفر عن مقتل نحو 40 جنديًا في هجوم خلال أكتوبر، أعقبه هجوم آخر في نوفمبر أدى إلى مقتل 17 جنديًا إضافيًا.
وفي الرابع والخامس من مايو 2026، تعرضت قاعدة “بركة تولوروم” بولاية البحيرة لهجوم جديد أسفر، وفق الرواية الرسمية، عن مقتل أكثر من 23 جنديًا وإصابة العشرات، في مؤشر على استمرار التهديد الأمني وتصاعد وتيرة الاستهداف ضد المواقع العسكرية.
وعقب الهجوم الأخير، أصدر محمد إدريس ديبي إتنو، رئيس الجمهورية، بيانًا رسميًا نعى فيه الجنود الذين سقطوا، مؤكدًا أن “تضحياتهم لن تذهب سدى”، ومشددًا على مواصلة العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة حتى القضاء على التهديدات الأمنية في منطقة بحيرة تشاد.
ويأتي ذلك بعد أشهر من أحداث “الحسكنيت”، التي أعقبتها أيضًا ترقية محمد إدريس ديبي إتنو إلى رتبة مارشال، في وقت تتواصل فيه الهجمات وسقوط الجنود في الميدان، وسط تساؤلات متزايدة حول غياب خطة ميدانية متكاملة لحماية القوات المنتشرة في مناطق المواجهة.
ورغم تكرار هذه الهجمات خلال السنوات الماضية، فإن المشهد الذي يعقب كل عملية ظل متشابهًا إلى حد كبير، حيث تقوم السلطات الحكومية والعسكرية بزيارات ميدانية إلى مواقع الهجمات لتقييم الوضع الأمني والوقوف على حجم الخسائر والإعلان عن الحصيلة الرسمية، غير أن هذه التحركات غالبًا ما تنتهي دون الإعلان عن خطة أمنية متكاملة تمنع تكرار مثل هذه العمليات أو تحد من خسائرها البشرية.
وتبرز الحاجة إلى وضع خطة ميدانية واضحة ومتكاملة لحماية القوات المنتشرة في منطقة بحيرة تشاد، تقوم على إعادة تقييم انتشار القواعد العسكرية، وتعزيز التحصينات الدفاعية عبر بناء حصون وخنادق وسياج أمني حول المواقع العسكرية، إلى جانب إنشاء نقاط مراقبة متقدمة وأنظمة إنذار مبكر تحد من الهجمات المباغتة وعمليات التسلل الليلي. كما تشمل الخطة تطوير العمل الاستخباراتي الميداني، وتوفير وسائل مراقبة حديثة، وتعزيز سرعة التدخل والدعم العسكري، بما يساهم في تقليل الخسائر البشرية ومنع تكرار الهجمات التي باتت تتكرر بنفس السيناريو منذ سنوات.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه القوات التشادية عملياتها العسكرية ضمن تنسيق إقليمي مع دول الجوار، في محاولة للحد من خطر الجماعات المسلحة واستعادة الاستقرار في منطقة تعد من أكثر المناطق هشاشة وتعقيدًا على المستوى الأمني في وسط وغرب إفريقيا.
Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *